فخر الدين الرازي

151

تفسير الرازي

بشيء من الأعمال إلا لله تعالى ، كما قال : * ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 79 ) قيل إن القول الأول أولى ، لأن المقصود من هذه الآية بيان مهاجرته إلى أرض الشأم ، وأيضاً يبعد حمله على الهداية في الدين ، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت إلا أن يحمل ذلك على الثبات عليه ، أو يحمل ذلك على الاهتداء إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في أمر الدين . المسألة الثالثة : قوله : * ( سيهدين ) * يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من الله تعالى ، كما يقول أصحابنا ولا يمكن حمل هذه الهداية على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار ، لأن كل ذلك قد حصل في الزمان الماضي ، وقوله : * ( سيهدين ) * يدل على اختصاص تلك الهدية بالمستقبل ، فوجب حمل الهداية في هذه الآية على تحصيل العلم والمعرفة في قلبه ، فإن قيل إبراهيم عليه السلام جزم في هذه الآية بأنه تعالى سيهديه ، وأن موسى عليه السلام لم يجزم به ، بل قال : * ( عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) * ( القصص : 22 ) فما الفرق ؟ قلنا العبد إذا تجلى له مقامات رحمة الله فقد يجزم بحصول المقصود ، وإذا تجلى له مقامات كونه غنياً عن العالمين ، فحينئذٍ يستحقر نفسه فلا يجزم ، بل لا يظهر إلا الرجاء والطمع . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( إني ذاهب إلى ربي ) * يدل على فساد تمسك المشبهة بقوله تعالى : * ( إليه يصعد الكلم الطيب ) * ( فاطر : 10 ) لأن كلمة إلى موجودة في قوله : * ( إني ذاهب إلى ربي ) * مع أنه لم يلزم أن يكون الإله موجوداً في ذلك المكان ، فكذلك ههنا . واعلم أنه صلوات الله عليه لما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال : * ( هب لي من الصالحين ) * أي هب لي بعض الصالحين ، يريد الولد ، لأن لفظ الهبة غلب في الولد ، وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى : * ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً ) * ( مريم : 53 ) وقال تعالى : * ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب ) * ( الأنبياء : 72 ) * ( ووهبنا له يحيى ) * ( الأنبياء : 90 ) وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي الله عنهم حين هنأه بولده : على أبي الأملاك شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، ولذلك وقعت التسمية بهبة الله تعالى وبهبة الوهاب وبموهوب ووهب . واعلم أن هذا الدعاء اشتمل على ثلاثة أشياء : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ الحلم ، وأنه يكون حليماً ، وأي حلم يكون أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذبح * ( قال ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) * ( الصافات : 102 ) ثم استسلم لذلك ، وأيضاً فإن إبراهيم عليه السلام كان موصوفاً بالحلم ، قال تعالى : * ( إن إبراهيم لأواه حليم ) * ( التوبة : 114 ) * ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) * ( هود : 75 ) فبين أن ولده موصوف بالحلم ، وأنه قائم مقامه في صفات الشرف والفضيلة ، واعلم أن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام طلب الصلاح لنفسه ، فقال : * ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) * ( الشعراء : 83 ) وطلبه للولد فقال : * ( رب هب لي من الصالحين ) * وطلبه سليمان عليه السلام بعد كمال درجته في الدين والدنيا ، فقال : * ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) * ( النمل : 19 ) وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد .